العيني

86

عمدة القاري

مطابقته للترجمة من حيث إن قبول هديته مؤذن بموادعته وكتابته ببحرهم مؤذن بدخولهم في الموادعة ، لأن موادعة الملك موادعة لرعيته ، لأن قوتهم به ومصالحهم إليه ، فلا معنى لانفراده دونهم وانفرادهم دونه عند الإطلاق . وقال بعضهم : هذا القدر لا يكفي في مطابقة الحديث للترجمة ، لأن العادة بذلك معروفة من غير الحديث ، وإنما جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث الذي يورده ، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في ( السيرة ) فقال : لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى تبوك أتاه بحنة بن روبة صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية ، وكتب إليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كتاباً فهو عندهم بسم الله الرحمن الرحيم ! هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله لبحنة بن روبة وأهل أيلة . . . ) فذكره . قلت : هذا القائل ذكر الاكتفاء في مواضع عديدة في المطابقة بوجه أدنى من الذي ذكرناه ، فما له يدعى هنا عدم الكفاية ؟ وإثبات المطابقة بالوجه الذي ذكرناه أقوى وأوجه من الذي ذكره ، لأن الذي ذكرناه من الداخل ، والذي ذكره من الخارج ؟ وهل علم أنه قصد ذلك أم لا ؟ وسهل بن بكار أبو بشر الدارمي البصري ، ووهيب مصغر وهب بن خالد بن عجلان أبو بكر البصري صاحب الكرابيس ، وعمرو بن يحيى بن عمارة المازني ، وعباس ابن سهل الساعدي ، وأبو حميد الساعدي اسمه عبد الرحمن ، وقيل : المنذر ، ويقال : إنه عم عباس الساعدي . وهذا طرف حديث مضى في كتاب الزكاة مطولاً بعين هذا الإسناد في : باب خرص التمر ، وقد مضى الكلام فيه . قوله : ( أيلة ) بضم الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وفتح اللام وفي آخره هاء ، وقال ابن قرقول : هي مدينة بالشام على النصف ما بين طريق مصر ومكة على شاطىء البحر من بلاد الشام . قوله : ( وكساه ) كذا هو بالواو : وفي رواية أبي ذر بالفاء ، قوله : ( ببحرهم ) أي : بقريتهم . 3 ( ( بابُ الوَصاةِ بأهْلِ ذِمَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) ) أي : هذا باب في بيان الوصية بأهل الذمة وإنما أضاف الذمة إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لأن الذمة التي هي العهد عهد بينهم وبين رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والوصاة اسم بمعنى الوصاية ، بفتح الواو وتخفيف الصاد بمعنى : الوصية . وقال الجوهري : أوصيت له بشيء وأوصيت إليه : إذا جعلته وصيّك ، والاسم : الوصاية ، بكسر الواو وفتحها ، وأوصيته ووصيته توصية ، والاسم : الوصاة ، وفي بعض النسخ : باب الوصايا . والذِّمَّةُ العَهْدُ والإلُّ القَرَابَةُ فسر البخاري الذمة بالعهد ، والذمة تجيء بمعنى العهد والأمان والضمان والحرمة والحق ، وسمى أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم . قوله : ( والألّ ) بكسر الهمزة وتشديد اللام ، وقد فسره بالقرابة ، والإلّ أيضاً الله تعالى ، قاله مجاهد ، وأنكروا عليه ، وقيل : الإل الأصل الجيد ، والأل بالفتح : الشدة ، والله تعالى أعلم . 4 ( ( بابُ ما أقْطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ البَحْرَيْنِ وما وعَدَ مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ والجِزْيَةِ ولِمَنْ يُقْسَمُ الفَيْءُ والجِزْيَةُ ) ) أي : هذا باب في بيان ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم وأقطع من الإقطاع ، بكسر الهمزة : وهو تسويغ الإمام شيئاً من مال الله لمن يراه أهلاً لذلك ، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض ، وهو أن يخرج منها شيئاً له يحوزه إما أن يملكه إياه فيعمره ، أو يجعل له عليه مدة . والإقطاع قد يكون تمليكاً وغير تمليك ، والأجناد يسمون مقطعين ، بفتح الطاء ، ويقال : مقتطعين أيضاً ( من البحرين ) أراد به : من ، مال البحرين ، لأنها كانت صلحاً ، فلم يكن في أرضها شيء . قوله : ( وما وعد ) على : ما أقطع . قوله : ( والجزية ) من عطف الخاص على العام . قوله : ( ولمن يقسم الفيء ) وقد مر أن الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد .